الشيخ حسين بن علي الكاشفي ( الواعظ الهروي )
564
رشحات عين الحياة في مناقب مشايخ الطريقة النقشبندية وآدابهم النبوية وأسرارهم الربانية
الحوض ثالثا لينبع الماء الصافي من داخل الحوض ، فإن الحوض ما دام مشغولا بالماء الذي ورد عليه من خارج لا يمكن نبع الماء من داخله ، وإن سلمنا لا يكون طاهرا صافيا لاختلاطه بالماء النجس ، وكذلك لا يحصل العلم من داخل القلب حتى يكون خاليا من كل علم حصل من خارج . وأما لو امتنع العالم عن تعلم العلم ولم يشغل قلبه بما تعلم سابقا فلا يكون عمله السابق حجابا له عن الطريقة بل يمكن أن يكون سببا للفتوحات ، وكذلك إذا خلى السالك نفسه عن الخيالات والمحسوسات لا تكون الخيالات السابقة حجابا له . وسبب كون العلم حجابا هو : إن شخصا لو تعلّم علما مع دلائله وبراهينه على ما بيّن في فن الجدل والمناظرة ، وأقبل عليه بكليته ، واعتقد أن ليس وراء هذا علم أصلا ، فإن وقع شيء على قلبه من خطرات سماوية يقول : إن هذا خلاف ما أنا سمعته وعلمته وكل ما هو خلافه فهو باطل . فلا يمكن لمثل هذا الشخص انكشاف حقيقة الأمور ، فإن هذه الاعتقادات التي يعلمونها عوام الخلق إنما هي صورة الحقيقة لا عينها . والمعرفة التامة هي خروج تلك الحقائق من الصورة إلى العين كخروج اللب من القشر . ومن المعلوم أن من تعلّم طريق الجدل في نصرة الاعتقاد الحق وحراسته لا تنكشف له الحقيقة أصلا ، فكيف يظن أن هذا هو الحقيقة لا غير ؟ فمن ظن ذلك يكون ظنه حجابا له عن الحقيقة . ولما كان هذا الظن غالبا فيمن تعلم شيئا من هذه العلوم لا جرم يكون هذا القوم محجوبين غالبا ، فمن خرج من هذا الظن لا يكون العلم حجابا له . فإنه معتقد أن وراءه شيئا آخر أعلى من علمه ومتطلع عليه . وإن تيسر لمثل هذا الشخص فتح فقد بلغت درجته الكمال ، ويكون طريقه أشد أمنا وأوضح ممن لم يترسخ قدمه في العلم قبل ، فإنه يمكن أن يبقى في عقدة الخيال الباطل مدة مديدة ، بل تكون شبهة يسيرة حجابا له والعالم يكون محفوظا من مثل هذا الخطر . يقول الفقير راقم هذه الحروف : لما ورد واحد من الإخوان من المدينة المنورة عام وفاة سيدي الشيخ محمد مظهر نور اللّه ضريحه ، سأله مولانا الشيخ عبد الحميد أفندي روح اللّه روحه ، أن قلوب الإخوان تميل إلى من بينهم للجلوس في مسند الإرشاد على تقدير عدم توجه المعينين ، فسمى ثلاثة أشخاص ، فقال : نعم ، إن فلانا لا عيب فيه غير أنه لا علم له وهذا المقام لا بد له من علم كثير .